أبي منصور الماتريدي

380

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يذكر ما للمصدقين ، وحقه أن يقال : « طوبى للمصدقين » ؛ لأن حرف « الويل » يتكلم به عند الوقوع في المهلكة ، وحرف « طوبى » يتكلم به في موضع السرور والعطية ، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك ، كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور ، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً [ الانشقاق : 7 ، 8 ] ، وقال - عزّ وجل - : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الأعراف : 8 ] : تقديم وتأخير . قوله تعالى : [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 16 إلى 28 ] أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ : جائز أن يكون ذكر هذا ؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث ؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء ، فذكر ابتداء خلقهم ؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة . وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين ، وهو الماء المستعاف المستقذر ؛ ليدعوا تكبرهم وتجبرهم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وينقادوا له « 1 » ، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه . وأخبر « 2 » أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر ؛ ليعلموا أنه قادر على ما يشاء ، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء ؛ فيحملهم ذلك على المراقبة ، وعلى التيقظ والتبصر « 3 » . وقوله - عزّ وجل - : فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ : القرار المكين هو الرحم ، جعله الله - تعالى - قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين ، فيخلق « 4 » منه علقة ومضغة ، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر الله تعالى الخروج منه . وقوله - عزّ وجل - : فَقَدَرْنا ، قرئ : قدرنا وقدرنا ، ف قدرنا ، أي : خلقنا كل شيء منه بقدر ؛ و فَقَدَرْنا ، أي : سويناه على ما توجبه « 5 » الحكمة على الوجوه

--> ( 1 ) في أ : وينقادون . ( 2 ) في ب : فأخبر . ( 3 ) في ب : والتبصير . ( 4 ) في ب : فخلق . ( 5 ) في أ : يوجب .